الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

304

شرح ديوان ابن الفارض

عليه أنوارهم وتضيء له بمتابعته أسرارهم . وقوله والآخر ، أي القسم الآخر أو الشخص الآخر . وقوله لم أحسبه في الأحياء لموت قلبه عن معرفة ربه ، وهو المحجوب بالقيام بنفسه المحروم عن مناجاة ربه وعن لطائف أنسه المشغول بمشاهدة أحوال الخلائق المطموس البصيرة بتراكم الموانع على قلبه والعلائق ، فهو ميت في صورة حي ، ورشاده لمن تحقق به غي ، وكلا عالميه تعب وعي . اه . وقال رضي اللّه تعالى عنه : روحي للقاك يا مناها اشتاقت والأرض عليّ كاحتيالي ضاقت والنّفس فقد ذابت غراما وأسى في جنب رضاك في الهوى ما لاقت [ المعنى ] روحي اشتاقت إلى لقاك يا منى النفس ، بضم الميم ويا مطلوبها . ومن طبع الإنسان الاشتياق إلى مطلوبه والأرض ضاقت عليّ كما ضاقت حيلتي . وإنما كانت الأرض ضيقة عليه لوجود الحيرة والدهشة في المحبة فهو لا يدري أين يذهب ، وحيث انسدت عليه المذاهب فهو لا يدري أين يذهب وقد قلت من جملة قصيدة : من أين لي سبب أسلو هواك به * واحسرتي لم تدع حولي ولا حيلي قوله « والنفس فقد » أي أقول تقرير الكلام الروح والنفس لهما في هواك حال أريد أشرحها . فأما الروح فإنها اشتاقت إلى لقائك يا مطلوبها ، وأما النفس فقد ذابت لأجل الغرام والعشق ولأجل الأسى والحزن . وما ألطف جعل الروح مشتاقة والنفس ذائبة لأن الروح عند المتألهين من قبيل الجوهر ، فالمناسب لها الشوق والذوق والتوق . وأما النفس فهي عندهم قريبة من الأجسام فهي صالحة لأن تذوب كما يذوب الشمع . قوله « في جنب رضاك في الهوى ما لاقت » أي لم تكن تليق مع ذوبانها في محبتك لأن تدخل في جنب رضاك لكونه عزيز الوجود ، ويصح أن تكون ما موصولة ، ولاقت بمعنى لقيت ، أي وجدت ، فيصير المعنى الذي لاقته من العذاب بحيث ذابت في نار المحبة لأجل رضاك بل لأجل جانب رضاك . والأول أقرب إلى الفهم . ( ن ) : قوله روحي ، أي المنفوحة فيه من أمر اللّه تعالى . وقوله للقاك أصله للقائك بالهمزة الممدودة فقصر للوزن . والخطاب للمحبوب الحقيقي . وقوله اشتقات ، أي روحي المذكورة . وقوله ضاقت ، أي الأرض من حيث الحس كما ضاق احتيالي من حيث العقل ، فالضيق شامل لظاهري وباطني ، وذلك بسبب الاشتياق الملازم لروحه الآمرية إلى الحضرة المحبوبية . وقوله والنفس ، أي ظهور الروح في عالم